عبد الوهاب الشعراني
69
تنبيه المغترين
شدة هضم النفوس ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : شدة هضمهم لنفوسهم بحيث يصير أحدهم يتبرك بتلميذه ويحمله الحملة ولا ينظر إلى كونه أعلم من مريده أو أكثر عملا منه بطريقه الشرعي إذا كان لا يخشى عليه فتنة بذلك ، وقد بلغنا أن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه لما أرسل قاصده للإمام أحمد بن حنبل بأنه سيقع في محنة عظيمة ويخلص منها سالما - يعني مسألة هل القرآن مخلوق أو غير مخلوق - فلما أخبره القاصد نزع الإمام أحمد له قميصه سرورا بقدوم رسول الشافعي ، فلما رجع الرسول بالقميص وأخبر الشافعي به قال له : هل كان هذا القميص على جسده من غير حائل ، قال : نعم ، قال : فقبله الإمام الشافعي ووضعه على عينيه ثم صب عليه الماء في إناء وعركه فيه ثم عصره ووضع غسالته عنده في قارورة فكان من مرض من أصحابه يرسل له شيئا من تلك الغسالة فإذا مسح به جسده عوفي من مرضه لوقته . فانظر يا أخي تواضع الإمام الشافعي مع الإمام أحمد مع كونه من تلامذته وهذا يدلك على أن القوم مع كثرة أعمالهم الصالحة كانوا رضي اللّه عنهم لا يرون نفوسهم على أحد من المسلمين ، عكس ما عليه المتمشيخون في هذا الزمان وكان آخر من أدركته يعتقد في تلميذه ويتبرك به ويرسل له الأرمد والمريض ليرقيه الشيخ محمد بن عنان محمد السروي رحمهما اللّه تعالى فكان الشيخ محمد بن عنان يرسل من يريد الدعاء لمريضه إلى الشيخ الحريثي رحمه اللّه ، وكان الشيخ محمد السروي يرسله إلى الشيخ علي الحديدي رحمه اللّه مع أن الشيخ يوسف والشيخ علي المذكورين من تلامذة هذين الشيخين فرضي اللّه تعالى عن الصادقين ، فاعلم ذلك والحمد للّه رب العالمين . ذكر اللّه ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الغيرة على ذكر اللّه تعالى أن يذكره أحد وهو غافل ، وذلك كقصد الوالدة بالذكر تنويم ولدها إذا سهرت به الليل فإن ذكر اللّه يجل عن مثل ذلك ، وقد قال بعض الصالحين يوما لمريض قل يا لطيف وهو غافل عن كونه بين يدي اللّه تعالى فعاتبه ربه عز وجل على ذلك في المنام وقال له : قد جعلت ذكر أسمي لعبا ولهوا انتهى . فاعلم ذلك يا أخي واعمل عليه ، والحمد للّه رب العالمين .